المرأة التونسية حاضرة في النضال وغائبة في مراكز القرار

بعد مرور أربعة أعوام على الثورة في تونس تم خلالها تنظيم انتخابات برلمانية مرتين إلى أن المرأة مازالت تكافح من أجل الوصول لمراكز القرار على المستوى السياسي والمؤسساتي، في هذا التقرير نستعرض أهم المراحل التي مر بها النضال النسوي في تونس ونحاول معرفة أهم التحديات التي تواجه طريقها في المرحلة الحالية.

لطالما كانت المرأة التونسية على قدم واحد وفي الصفوف الأمامية في كل المعارك السياسية التي شهدتها البلاد، انطلاقا من مساهمتها في الحراك الوطني ضدّ المستعمر وصولا إلى ثورة 14 من كانون الثاني/يناير 2011.

ففي كل سنة من عيدها العالمي يمرّ بنا تاريخ بطلات تونسيات ساهمن في بناء الدولة من عليسة الفينيقية إلى بشيرة بن مراد وتوحيد بن الشيخ وراضية الحدّد وغيرهن من النسوة اللاتي، وناضلن للوصل إلى مجلّة الأحوال الشخصية التي منحت مكانة هامة للمرأة التونسية. حتى باتت توصف بأنّها الاستثناء العربي من حيث الحقوق والمكتسبات التي تنعم بها. فمنذ عام 1956 تم اعتماد مجلّة الأحوال الشخصية التي تعدّ تشريعاتها ثورة حقيقية في مجال حقوق المرأة بالخصوص، من أهمّها منع تعدّد الزّوجات، وجعل الطلاق بيد المحكمة عوضا عن الرجل، ومنع إكراه الفتاة على الزواج من قبل وليّ أمرها، وتحديد الحدّ الأدنى للزواج بـ 17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى، ومنع الزواج العرفي وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف، وكذلك إقرار المساواة الكاملة بين الزّوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره.

بسمة سوداني رئيسة جمعية الناخبات التونسية

واستطاعت بذلك المرأة التونسية المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وتقدّمت أشواطا كبيرة، غير أنّ مشاركتها في الحياة السياسية ليست بنفس الجدوى والفاعلية، حيث كانت السياسات القائمة زمن المخلوع بن علي تقوم على تزييف الحقائق فيما يتعلق بحقوق الإنسان عموما وبحقوق المرأة خصوصا، فقد كان النظام السابق آنذاك يثمن قوانين مجلّة الأحوال الشخصية غير أنّ تطبيقها على أرض الواقع لم يكن على نحو صحيح، بل كانت المرأة تستعمل لتبييض صورة النظام وادعاء أنّه حداثي يؤمن بالمساواة بين الجنسين. فكانت تُشرّك في الحياة السياسية بصورة شكلية مقابل اسكات كل الناشطات النقابيات والحقوقيات والفاعلات في مجال حقوق الإنسان ومناهضات الدكتاتورية.

المرأة  في تونس تقلدت 8 مناصب بين وزارات وكتاب دولة في الحكومة الجديدة، وهي الأولى على المستوى العالم العربي، ولكن تبقى محدودة لأنّها لم تصل إلى 25 بالمئة. لذا لا زال أمامنا أشواط كبيرة حتى تتمكن المرأة من الوصول إلى مراكز القرار”. بسمة السوداني

تقول الحقوقية والناشطة ابتهال عبد اللطيف وعضو هيئة الحقيقة والكرامة أنّ المرأة التّونسية ساهمت بشكل كبير في الحركة الوطنية ضد الاستعمار وكانت في الصفوف الأمامية جنبا إلى جنب مع الرّجل، لكنّها بعد تشكل الدولة وخصوصا زمن حكم بن علي فإنّ دورها قد همّش جرّاء التضييق على الحقوقيات والنقابيات وكل من عارض نظامه، مثلها مثل الرجل بل وقد شهدت سجون بن علي أكثر من 400 سجينة وهو ما يدل على أنّها ناضلت زمن القمع دفاعا عن حرية التعبير والرّأي ونالها على غرار الرجل نصيب هام من المعاناة والتعذيب.

على صعيد آخر أضافت محدّثتنا أنّ المرأة اليوم قادرة على إثبات جدارتها حتى على المستوى السياسي بعد ما نالته من الحرية كباقي الشعب التونسي.

مشاركة المرأة في الثورة

كان للمرأة التونسية دور فعّال في قيام الثورة لأنّها كانت تعاني أيضا من التّهميش والظلم والبطالة، شأنها في ذلك شأن شباب الثورة. لذلك نزلت للشوارع مطالبة بإسقاط النظّام، ونالها هي الأخرى الإيقاف والضرب واستشهدت أيضا في سبيل الحريّة المنشودة. ولا يمكن لأحد أن ينكر مشاركتها في الثورة.

وبمجرّد سقوط النظام تواصل حضور المرأة في الحراك الثوري المنادي باستكمال أهداف الثورة، لا سيما في اعتصامي القصبة 1 والقصبة 2، في ساحة الحكومة اللذان نجحا في اسقاط حكومة محمد الغنوشي، والذهاب في المسار الذي نادى به المعتصمون والمعتصمات وهو إحداث برلمان.

مشاركة المرأة التونسية في انتخابات

مرحلة ما بعد الثورة التونسية شهدت فيها وضعية المرأة جدلا واسعا حول الحقوق والحريات بعد صعود الأحزاب الدينية للحكم إثر انتخابات عام 2011، وخلال فترة حكم “الترويكا” لكن لم ذلك يثن عزم نساء تونس، فقد واصلن الكفاح في المنابر السياسية للحفاظ على مجلة الأحوال الشخصية وتكريس الحقوق والمكتسبات والمطالبة بالمساواة تشريعيا وواقعيا خاصة في مجال المشاركة السياسية، من خلال المطالبة بأن تكون المرأة في مواقع الريادة في الأحزاب السياسية، وفي صدارة القائمات الانتخابية، وأن تمارس الفعل السياسي عبر تقلد مناصب ومسؤوليات عليا في الدّولة.

نتيجة لتلك التحركات تبنى المجلس الوطني التأسيسي في مايو عام 2011 قاعدة التناصف والتناوب في القائمات الانتخابية، وفي إدراج فصل في باب الحقوق والحريات يقر بأنّ: “المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز. تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم”.

حضور محتشم خلال تشكيل الحكومات

وفي أول انتخابات بعد الثورة سنة 2011 شاركت المرأة التونسية في الحياة السياسية وفي المرحلة الانتخابية بشكل كبير، وقد بلغت نسبة النساء الناخبات المسجلات إراديا 46 بالمئة. أماّ نسبة المترشحات على القائمات فقد بلغت 48 بالمئة. لكن رغم تقارب نسبة المترشحات من المترشحين فإنّ النساء شغلن فقط نسبة 27 بالمئة من المقاعد البرلمانية أي في حدود الرّبع.

ورغم أنّ هذا النجاح فرض حضور المرأة في الحياة السياسية، إلا أنّه كان حضور محتشم خلال تشكيل الحكومات المتعاقبة على تونس بعد الانتخابات. فحكومة الترويكا التي تشكلت من 48 عضوا أسندت فقط 3 مناصب وزارية لسيدات، وهو ذات الأمر بالنسبة لحكومة مهدي جمعة التي أسندت بدورها 3 مناصب فقط للعنصر النسائي.

ورغم أنّهن ساهمن بشكل كبير في صياغة الدستور الجديد للبلاد التونسية، ورغم إقرار مبدأ المساواة بين الجنسين في الدستور، والنص فيه على أن “تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتدعم مكاسبها وتعمل على تطويرها”. كما تضمن الدولة “تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليّات وفي جميع المجالات. فقد بقي حضور المرأة التونسية في الساحة السياسية دون المستوى المطلوب وتحديدًا في قوائم المترشحين للانتخابات البرلمانية القادمة.

ففي انتخابات 2014 بلغت نسبة النّساء المسجلات في الانتخابات أكثر من 50 بالمئة، فيما بلغ عدد المترشحات حوالي 47 بالمئة، 12 فقط منهن ترأسن قائمات انتخابية، كما شاركت تونسية واحدة فقط 26 مترشحا في السباق نحو قصر قرطاج.

وقد دأبت الأحزاب لاسيما منها الحداثية على المطالبة بمزيد دعم مكاسب المرأة وحضورها في الساحة السياسية. وطلب من جميع تلك الأحزاب تطبيق جميع الوعود التي تغنت، بما في ذلك إقرار مبدأ التناصف خلال تكوين القائمات الانتخابية، باعتبار أنّ الأمر يفتح أبواب تعزيز حظوظ المرأة ووصولها إلى مراكز القرار.

وعلى الرّغم من أنّ النّساء يمثلن نسبة 47 بالمئة من المسجلين في قوائم الناخبين، إلا أنّهن استبعدن من رئاسة القائمات الانتخابية لتمثل النساء فقط نصف القوائم الانتخابية، ولكن تحت رئاسة تكون في أغلبها لفائدة العنصر الرجالي.

فالمتابع للترشحات للعملية الانتخابية وتحديد القوائم الانتخابية التي أعلن عنها خلال انتخابات 2014 يلحظ إقصاء المرأة التونسية من المعركة السياسية، سواء لدى الأحزاب التي طالما نادت بمبدأ المناصفة أوتلك الرافضة لتواجد المرأة.

المشاركة السياسية للمرأة في تونس لا تزال على عكس التوقعات. وعلى الرغم من التشريعات المهمة كدستور يناير عام 2014، وقانون الانتخابات اللذان يعززان دور المرأة في مواقع المسؤولية، إلاّ أنّ عدد النساء في البرلمان من ممثلي الشعب والحكومة الجديدة ليست مرضية. الحقوقية مريم بالأمين

ولم تلتزم الأحزاب بالمبادئ التي أعلنت عنها عند مناقشة مبدأ التناصف الأفقي في المجلس التأسيسي يوم 1 مايو/أيار 2014. فكثير من الأحزاب التي ألغت وجود المرأة في رئاسة القائمات أو تكاد تكون موجودة فيها، قد صوتت  من أجل التناصف الأفقي، لاسيما حزب نداء تونس الذي صوت مع هذا المبدأ .كما  دعا الحزب في بيانه الصادر في 23 أبريل/نيسان 2014  إلى إقرار مبدأ التناصفين الأفقي والعمودي في مشروع القانون الانتخابي المعروض حينها على نواب المجلس الوطني التأسيسي. ودعا الحزب “إلى الحرص  على صيانة المبادئ  الدّستورية  والاستجابة لطموحات نساء تونس بإقرار التناصف والمساواة الفعلية في القانون الانتخابي”.

لكن”حركة نداء تونس” الفائزة في الانتخابات، والتي طالما أقرّت بأنّ مبدأ التناصف سيدعم حضور المرأة في سلطة القرار، ويثمّن مشاركتها في كل مراحل بناء الدّولة التونسية وإنجاح الانتقال الديمقراطي،لم تحقق هذا المبدأ في رؤساء قائماتها التي أعلنت عنها، فمن جملة 33 قائمة لم ترأس المرأة فيها سوى قائمتين.

حزب النهضة  الذي اعتبر نفسه ضامنا لحقوق النساء، لم يرشح من جهته سوى 4 نسوة في رئاسة قائماتها من جملة 30 قائمة أعلنت عنها. ولطالما برر السياسيون ذلك  بأنّ العقلية السائدة في المجتمع التونسي ترفض ترشح المرأة في المناصب السياسية وهو ما سيضيّع عليهم أصوات الناخبين.

غياب في مراكز القرار

في حديث مع بسمة السوداني رئيسة رابطة الناخبات التونسيات بيّنت أنّه تم المحافظة على مبدأ التناصف فقط في القائمات الانتخابية وليس في رئاسة القائمات، بسبب وجود ثغرات في القانون الانتخابي الذي لابد له أن يضمن للمرأة المساواة الكاملة مع الرجل خلال المشاركة في الانتخابات حتى تتمكن من الوصول إلى مراكز القيادة، لا أن تبقى فقط على المستوى القاعدي. مضيفة أنّها تأمل أن يتم تدارك ذلك في الانتخابات البلدية القادمة التي من المؤمل أن تجرى بين سنتي 2015 و2016، مما يمكن المرأة من التواجد في البلديات والجهات. ولابد لها من ذلك إذا تم إقرار مبدأ التناصف العمودي والأفقي الذي سيضمن لها التواجد بنسبة50 بالمئة على رأس القائمات ويمكنها بطبيعة الحال من الوصول إلى مراكز القرار.

على صعيد آخر أشارت محدّثتنا أنّ المرأة تقلدت 8 مناصب بين وزارات وكتاب دولة في الحكومة الجديدة، وهي الأولى على المستوى العالم العربي، ولكن تبقى محدودة لأنّها لم تصل إلى 25 بالمئة. لذا لا زال أمامنا أشواط كبيرة حتى تتمكن المرأة من الوصول إلى مراكز القرار.

برنامج الشراكة الدنماركية العربية في تونس
عشرات الجمعيات والمؤسسات الدنماركية والتونسية تتعاون على تنفيذ مشاريع تعاون في العديد من المجالات، حيث يتم التركيز في هذه المرحلة على دعم عملية الانتقال الديمقراطي والعدالة الاجتماعي إلى جانب التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل للشباب.  للمزيد من المعلومات إضغط هنا

من جهة أخرى بيّنت بسمة السوداني أنّ تواجد المرأة حتى في مناصب المديرين العامين للمؤسسات والإدارات لا يفوق نسبة ال5 بالمئة وهي نسبة ضئيلة جدا، إلى جانب غياب العنصر النسائي في قيادة الأحزاب، فقط حزب واحد قيادته نسوية. مضيفة أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل أكبر نقابة شغلية في البلاد لا يحتوي مكتبه التنفيذي  على العنصر النسائي أيضا، بل بقي حضورها قاعدي فقط. مؤكدة أنّه لا يمكن الحديث عن مساواة بين المرأة والرجل في ضلّ غياب العنصر النسائي في مراكز القرار.

في المقابل بيّنت محدّثتنا أنها تأمل أن يمنح للمرأة تمثيل جيد في المجلس الأعلى للقضاء الذي سينتخب في 26 نيسان/أبريل القادم. ولا بد لها من تدراك التمثيل الضعيف لها داخل هذا الهيكل لاسيما وأنّ النساء في القضاء تبلغ نسبتهنّ 42 بالمئة. ويجب أن تكون القوانين متناغمة مع نص الدستور وما نص عليه في فصوله 46 و34 و21 و20 من ضرورة ضمان تمثيلية متناصفة بين الرجل والمرأة في جميع الهيئات المنتخبة التي يخلو بعضها من العنصر النسائي.

المشاركة السياسية عكس التوقعات

الحقوقية مريم بالأمين  ومنسقة مشاريع منظمة دانر الدنماركية في تونس، أشارت من جهتها أنّ  المشاركة السياسية للمرأة في تونس لا تزال على عكس التوقعات. وعلى الرغم من التشريعات المهمة كدستور يناير عام 2014، وقانون الانتخابات اللذان يعززان دور المرأة في مواقع المسؤولية، إلاّ أنّ عدد النساء في البرلمان من ممثلي الشعب والحكومة الجديدة ليست مرضية. وسيكون الحلّ حسب رأيها في إدخال نظام الحصص للنساء في المجالس المنتخبة لتغيير المواقف.

وقد بلغت نسبة تمثيلية المرأة في البرلمان التونسي بعد انتخابات 2014 حوالي 31 بالمئة، فيما ضمت حكومة الصيد وزيرتين و5 كاتبات دولة. وقد بيّنت النائبة عن حركة نداء تونس بشرى بالحاج حميدة أنّ هناك تطورا في عدد النائبات مقارنة بالبرلمان السابق، وعزت ذلك إلى اعتماد مبدأ التناصف الأفقي بقانون الانتخابات. لكنّها تشير إلى أنّ نسبة النائبات بالبرلمان كانت لتكون أكبر لو تم اعتماد مبدأ التناصف العمودي أو فرض حصة محدّدة للنساء بالبرلمان.